أم متعبة نفسيًا.. عبارة تختصر حال آلاف الأمهات اللواتي يحملن على أكتافهن مسؤوليات مضاعفة. فبين العناية بالأطفال، ومتابعة شؤون المنزل، وضغوط الحياة اليومية، تجد الأم نفسها منهكة ومشتتة. ما يؤثر على صحتها الجسدية والنفسية في آن واحد. قد ينعكس هذا الإرهاق المستمر على سلوكها مع أسرتها، فيحوّل لحظات الحب والدفء إلى توتر وقلق دائمين.
في هذا المقال، سنقدّم لكِ خطوات علمية وبسيطة تساعدك على استعادة التوازن الداخلي. سنبدأ بالحديث عن أهمية النوم والتغذية، ثم ننتقل إلى أثر الحركة والتنظيم، ونختم بطرق الدعم النفسي والعاطفي. كل نقطة مدعومة بتوصيات من دراسات علمية حديثة تؤكد أن الأم عندما تهتم بنفسها، تمنح أطفالها بيئة أكثر أمانًا وطمأنينة.
أولوية النوم والراحة
النوم العميق ليس رفاهية، بل ضرورة أساسية لكل أم تشعر بالإرهاق. تشير الأبحاث إلى أن قلة النوم تزيد من معدلات القلق والاكتئاب بنسبة تتجاوز 30% عند النساء بعد الولادة. لهذا، يجب أن تعطي لنفسكِ الحق في الحصول على ساعات نوم كافية ومنتظمة. لا ينعكس النوم الجيد فقط على حالكِ النفسية، بل يؤثر أيضًا على مناعتكِ، وتركيزكِ، وقدرتكِ على اتخاذ قرارات صحيحة خلال يوم مليء بالمسؤوليات.

يمكنكِ تنظيم نومكِ عبر الاستفادة من فترات قيلولة قصيرة أثناء نوم طفلكِ، أو من خلال مشاركة المسؤوليات مع شريكك أو أحد أفراد العائلة. كما يُفضّل تقليل استخدام الهاتف قبل النوم لتجنب اضطراب الساعة البيولوجية. ولتعزيز جودة النوم، حاولي خلق روتين مسائي هادئ يشمل إضاءة خافتة، وشرب مشروب دافئ خالٍ من الكافيين، وممارسة بعض تمارين التنفّس العميق التي أثبتت الدراسات أنها تساعد في تهدئة الجهاز العصبي وتسريع الدخول في مرحلة النوم العميق.
غذاء متوازن لعقل هادئ
لا يوفّر الغذاء المتوازن فقط عناصر غذائية لجسدكِ، بل ينعكس مباشرة على توازنكِ النفسي وقدرتكِ على مواجهة ضغوط الأمومة اليومية. فقد أثبتت أبحاث علم الأعصاب أن الدماغ يتأثر بشدّة بنوعية الطعام، حيث تعمل الأطعمة الغنية بأحماض الأوميغا 3 مثل السلمون والجوز على تعزيز التواصل بين الخلايا العصبية، ما يحسّن المزاج ويقلّل من نوبات القلق. أمّا المغنيسيوم المتوفّر في السبانخ والأفوكادو والحبوب الكاملة، فيؤدّي دورًا أساسيًا في تهدئة الجهاز العصبي وخفض مستويات الكورتيزول المرتبط بالتوتر. ولأنكِ أم متعبة نفسيًا، فإن اعتماد وجبات منتظمة تحتوي بروتينات خفيفة وخضار وفواكه طازجة يساعدكِ على الحفاظ على استقرار الطاقة طوال اليوم. في المقابل، يؤدي الإفراط في تناول السكريات أو الكافيين إلى رفع طاقتكِ بسرعة ثم إسقاطها بشكل حاد، ما يزيد من شعوركِ بالإرهاق ويعمّق الشعور بالتعب النفسي. لذلك، اجعلي طبقكِ متنوعًا ومتوازنًا، ولا تنسي شرب الماء بانتظام لأنه عنصر أساسي في إبقاء الدماغ نشطًا ومتوازنًا.
الحركة اليومية لتفريغ الضغط
لا تُعَدّ الحركة اليومية لتفريغ الضغط مجرد نشاط جسدي، بل هي وسيلة فعّالة لإعادة تنشيط الدماغ والجسم معًا، فهي تخلق توازنًا هرمونيًا يحميكِ من الانهيار النفسي.

عندما تتحركين بانتظام، حتى بخطوات بسيطة داخل المنزل أو صعود الدرج بدلًا من استخدام المصعد، فإن جسمكِ يبدأ بإفراز الإندورفين المعروف بهرمون السعادة، وهو المسؤول عن منحكِ شعورًا بالراحة والاسترخاء. في الوقت نفسه، ينخفض مستوى الكورتيزول، وهو هرمون التوتر الذي يسبب القلق واضطرابات المزاج. وقد أثبتت الأبحاث أن النشاط البدني المعتدل مثل اليوغا أو الرقص الخفيف مع طفلكِ يساهم في تحسين جودة النوم، ويزيد من القدرة على التركيز، ويمنحكِ طاقة إيجابية تساعدكِ على مواجهة مسؤولياتكِ اليومية بثبات. لذلك، لا تفكري بممارسة الرياضة على أنها التزام مرهق أو مهمة إضافية، بل انظري إليها كهدية صغيرة تقدمينها لنفسكِ كل يوم، تعيد إليكِ صفاء الذهن وخفة الروح.
إعادة تنظيم الوقت والمهام
إحدى أكبر أسباب شعور الأم بالإرهاق هو الفوضى في المهام اليومية. تنظيم الوقت يمنحكِ إحساسًا بالسيطرة ويخفف من الضغط النفسي.
ابدئي بكتابة قائمة بالمهام الأساسية لليوم، ثم رتّبيها حسب الأولوية. لا تجهدي نفسكِ بمحاولة إنجاز كل شيء دفعة واحدة. تعلّمي أن تقولي “لا” لبعض الطلبات غير الضرورية، فهذا ليس أنانية بل خطوة لحماية صحتكِ النفسية.
استخدمي أدوات تنظيم مثل الجداول أو التطبيقات لتوزيع المهام. تعطيكِ هذه الاستراتيجيات رؤية أوضح وتخفّف من شعوركِ بالارتباك.
الدعم النفسي والاجتماعي
إنّ الدعم العاطفي من العائلة والأصدقاء يخفّف عنكِ الكثير. التحدث عن مشاعركِ مع شخص تثقين به يساعد على تحرير الضغوط الداخلية. كما أن اللجوء إلى أخصائي نفسي عند الحاجة خطوة شجاعة تعكس وعيكِ بقيمة صحتكِ النفسية.

تشير دراسة منشورة في American Journal of Psychiatry إلى أن الدعم الاجتماعي يقلّل من احتمالية إصابة الأمهات باكتئاب ما بعد الولادة بنسبة تصل إلى 50%. لذلك، لا تعزلي نفسكِ، بل افتحي قلبكِ لمَن حولكِ واطلبي المساعدة عند الحاجة.
الخلاصة
في النهاية، الأمومة رحلة مليئة بالتحديات، وقد تجعلكِ تشعرين بالإرهاق في كثير من اللحظات. لكنّ إدراككِ لأهمية العناية بنفسكِ خطوة أولى لاستعادة التوازن. النوم المنتظم، والغذاء الصحي، والنشاط البدني، والتنظيم، والدعم العاطفي هي مفاتيح أساسية للتغلب على الضغط النفسي.
أم متعبة نفسيًا ليست وصفًا دائمًا، بل حالة مؤقتة يمكنكِ السيطرة عليها بخطوات مدروسة. عندما تهتمين براحتكِ، فإنكِ لا تمنحين نفسكِ فقط فرصة للنمو، بل توفّرين أيضًا لطفلكِ بيئة مليئة بالحب والاستقرار. ومن الجدير بالذكر أنّنا سبق وكشفنا لكِ كيف تواكبين حياة الأم المزدحمة بدون أن تفقدي نفسك؟
وبرأيي الشخصي كمحرّرة، أرى أن الاعتراف بالتعب النفسي ليس ضعفًا، بل دليل قوة ونضج. فالأم التي تضع صحتها في أولوياتها تصبح أكثر قدرة على العطاء. أنصحكِ بأن تمنحي نفسكِ حقها في الراحة، وأن تذكري دائمًا أنّ سعادتكِ هي أساس سعادة أسرتكِ.