لا يُعَدّ تقديم نصائح للحامل في الشهر الثامن لتسهيل الولادة مجرّد كلمات عامة، بل هي خطوات عملية تمهّد جسدكِ وعقلكِ لمرحلة حساسة ومصيرية. في هذه الفترة، يبدأ الجسم بالتحضير الجاد لمرحلة المخاض، وتزداد التغيّرات الهرمونية والعضلية بشكل واضح. لذلك، تحتاجين إلى روتين متوازن يجمع بين التغذية السليمة، والحركة الآمنة، الاسترخاء، والاستعداد النفسي.
في هذا المقال، سنقدّم لكِ خطة متكاملة، ومقسّمة إلى محاور رئيسية، تشمل الغذاء، وممارسة التمارين المناسبة، وأساليب التنفس والاسترخاء، والعادات اليومية التي تساهم في ولادة أسهل وأقل تعقيدًا. ستجدين في كل جزء شرحًا علميًا مبنيًا على الأبحاث الطبية الحديثة. مع تقديم نصائح عملية يمكنكِ تطبيقها بسهولة في حياتكِ اليومية.
الغذاء المتوازن: حجر الأساس في هذه المرحلة
الغذاء في الشهر الثامن لا يقتصر على إشباع الجوع، بل يتحوّل إلى وسيلة علاجية ووقائية تساهم في تجهيز جسمكِ للولادة وتوفير بيئة آمنة للجنين. فخلال هذه المرحلة، يزداد وزن الطفل بسرعة، وتنمو عظامه وعضلاته بشكل ملحوظ، كما يبدأ جهازه العصبي بالاكتمال. لهذا، كل لقمة تتناولينها تحمل أثرًا مباشرًا على صحتكِ وصحة طفلكِ.
تشير دراسات منشورة في American Journal of Obstetrics and Gynecology إلى أنّ النساء اللواتي يلتزمن بتغذية مدروسة في الثلث الأخير من الحمل يكنّ أقل عرضة لارتفاع ضغط الدم، سكري الحمل، أو الولادة المبكرة.
أهم العناصر الغذائية الأساسية
من أهمّ العناصر الغذائيّة التي يجب أن تحصل عليها الحامل خلال هذه الفترة:

- البروتينات: لا غنى عنها في هذه المرحلة. فهي الأساس في بناء أنسجة الجنين، ودعم العضلات التي ستعمل بكثافة وقت الولادة. المصادر الغنية تشمل البيض، والدجاج، والأسماك الخفيفة مثل السلمون، إضافةً إلى العدس والفاصوليا. ويُنصح بتوزيع البروتين على الوجبات اليومية بدل تناوله بكميات كبيرة في وجبة واحدة.
- الكالسيوم والمغنيسيوم: الكالسيوم يقوي عظام الطفل ويمنع فقدان كثافة العظام لديكِ. أما المغنيسيوم فيعمل مع الكالسيوم لضبط انقباض العضلات، بما في ذلك عضلات الرحم. ويمكنكِ الحصول عليهما من منتجات الألبان قليلة الدسم، واللوز، والسبانخ، وبذور اليقطين.
- الألياف: يُعَدّ الإمساك من العوارض الشائعة في الشهر الثامن، والألياف تساعد في التخلّص منه بأمان. تناولي الخضار الورقية، والتفاح، والشوفان، والحبوب الكاملة. كما أنّ الألياف تحافظ على مستوى سكر الدم ثابتًا. وهو أمر بالغ الأهمية في الوقاية من سكري الحمل.
- الحديد وحمض الفوليك: الحديد يمنع فقر الدم، الذي يسبب تعبًا مفرطًا في هذه المرحلة. بينما حمض الفوليك يضمن استمرار نمو الدماغ والجهاز العصبي للجنين. من أفضل مصادر الحديد: اللحوم الحمراء الخالية من الدهون، والعدس. ولزيادة الامتصاص، تناوليها مع مصادر غنية بفيتامين C مثل البرتقال.
دور الترطيب وأهمية الماء
شرب الماء بكميات كافية (٨ إلى ١٠ أكواب يوميًا) يسهّل حركة الدم ويزيد من مرونة الأنسجة، ما يقلل من خطر التمزقات أثناء الولادة. كما أن الترطيب يمنع تقلصات الرحم المبكرة ويخفف من تورّم الساقين. يمكن أيضًا إدخال السوائل الصحية مثل شاي الأعشاب الآمن للحمل أو الحساء الخفيف كجزء من الروتين اليومي.
عادات غذائية داعمة
- تناولي وجبات صغيرة ومتعددة خلال اليوم لتفادي الحموضة وحرقة المعدة.
- قللي من الملح والأطعمة المعالجة لتجنّب ارتفاع ضغط الدم.
- استبدلي السكريات المكررة بالفواكه الطازجة أو التمر للحصول على طاقة طبيعية.
- لا تنسي وجبة خفيفة قبل النوم مثل كوب حليب دافئ أو زبادي. فهي تساعد على استرخاء الجسم والنوم العميق.
التمارين الآمنة: تعزيز قوة التحمل
الحركة ليست ممنوعة في الشهر الثامن، بل على العكس، ممارسة نشاط بدني معتدل تُعتبر من أهم الوسائل لتقليل آلام المخاض. وفقًا لدراسة في Journal of Perinatal Education، فإنّ ممارسة المشي اليومي وتمارين اليوغا الخاصة بالحوامل تساعد على تحسين مرونة الحوض، وتسهيل نزول الجنين إلى الوضعية الصحيحة.
من أبرز التمارين المفيدة:
- المشي لمدة 20-30 دقيقة يوميًا في أماكن آمنة.
- تمارين كيجل لتقوية عضلات قاع الحوض. ما يمنحكِ قدرة أكبر على التحكم أثناء الولادة.
- تمارين التمدد الخفيفة التي تخفف من آلام أسفل الظهر وتقلل من تيبّس العضلات.
مع ذلك، يجب التوقف فورًا عن أي تمرين يسبب لكِ دوخة أو ألمًا غير طبيعي، مع استشارة الطبيب بانتظام.
التنفس والاسترخاء: السيطرة على التوتر
التحكم في النفس هو المفتاح الحقيقي لتخفيف الألم أثناء المخاض. لا تكتمل نصائح للحامل في الشهر الثامن لتسهيل الولادة من دون التطرق إلى تقنيات التنفس العميق والاسترخاء الذهني.

- التنفس البطني العميق: يساعد في إدخال كمية كافية من الأكسجين للجنين، ويقلل من توتر العضلات.
- تقنية العدّ أثناء الزفير: تنظم معدل التنفس وتمنع فرط التهوية الذي قد يسبب دوخة.
- التأمل أو الاستماع لموسيقى هادئة: يساهم في خفض هرمون الكورتيزول. مما يقلّل من الشعور بالتوتر ويُشعركِ بالراحة.
تؤكّد الدراسات الحديثة في Frontiers in Psychology أن النساء اللواتي يمارسن تقنيات الاسترخاء بانتظام خلال الحمل يتمتعن بمستويات أقل من القلق وألم الولادة.
العادات اليومية: خطوات صغيرة بأثر كبير
تحتاج الحياة اليومية في الشهر الثامن إلى بعض التعديلات البسيطة التي تُحدث فرقًا هائلًا عند الولادة.
- النوم الكافي: الاستلقاء على الجانب الأيسر يعزز تدفق الدم إلى الجنين ويخفف الضغط على الظهر.
- وضعيات الجلوس الصحيحة: الجلوس مع ظهر مستقيم يقلل من آلام الحوض والضغط على العمود الفقري.
- تجنّب الجلوس الطويل: الحركة كل ساعة تنشّط الدورة الدموية وتقلل من التورّم في الساقين.
- إعداد حقيبة الولادة مسبقًا: يقلل من القلق النفسي ويريحكِ من التفكير المرهق في اللحظة الأخيرة.
تبدو هذه العادات بسيطة لكنها تُسهم بشكل مباشر في تقليل التوتر الجسدي والنفسي. ما ينعكس إيجابًا على تجربة الولادة.
الخلاصة
في الختام، نصائح للحامل في الشهر الثامن لتسهيل الولادة ليست مجرد توجيهات عابرة، بل هي خطوات مبنية على العلم والخبرة. الاهتمام بالغذاء، وممارسة التمارين المناسبة، وتعلم أساليب التنفس، وتبني عادات يومية صحية. كلها مفاتيح تمنحكِ ولادة أكثر سلاسة وأمانًا. إن التوازن بين الاستعداد الجسدي والنفسي هو ما يجعل هذه المرحلة الأخيرة من الحمل أقل توترًا وأكثر اطمئنانًا. ومن الجدير بالذكر أنّنا سبق وأجبناكِ على سؤال: تحليل الحمل: متى؟ كيف؟ وماذا تعني النتيجة؟
وبرأيي الشخصي كمحرّرة، أرى أن الشهر الثامن هو اللحظة الذهبية للاستعداد الحقيقي للولادة. إن التزامكِ بهذه الخطوات سيُحدث فرقًا كبيرًا ليس فقط في يوم الولادة. بل أيضًا في ثقتكِ بنفسكِ وفي شعوركِ بالتحكّم بتجربتكِ كأم. نصيحتي أن تجعلي هذه المرحلة وقتًا للوعي والهدوء، وأن تتذكّري دومًا أنّ الولادة رحلة طبيعية يستطيع جسدكِ التعامل معها بقدرة مدهشة.