هل السهر الطويل أثناء الحمل يؤثر على نمو دماغ الجنين؟ هذا السؤال يُقلق الكثير من الحوامل، خاصّةً اللواتي يعانين من اضطرابات النوم المستمرة. فالهرمونات، والضغط النفسي، وتغير شكل الجسم، جميعها عوامل تجعل النوم العميق صعبًا. لكن، هل لهذا السهر تأثير مباشر على تكوّن دماغ الطفل داخل الرحم؟
في هذا المقال، سنعرض لكِ الإجابة بدقّة. أولًا، سنفهم دور النوم في تطوّر الدماغ. ثم، سنكشف كيف يغيّر السهر تركيبة الدماغ عند الأجنّة. وأخيرًا، سنستعرض نتائج الدراسات العلمية التي حلّلت العلاقة بين أرق الأم ونمو الجهاز العصبي للجنين. تابعي لتعرفي التفاصيل.
1- النوم خلال الحمل
يؤدّي النوم في فترة الحمل دورًا حاسمًا في دعم الصحة الجسدية والعصبية لكلٍّ من الأم والجنين. في الثلث الأول، يحتاج جسمكِ إلى وقتٍ أكبر لإعادة التوازن الهرموني وتجديد الطاقة. وعند غياب النوم الليلي المنتظم، يختلّ إفراز الميلاتونين، وهو الهرمون الذي يساعد الجنين على ضبط إيقاعه الحيوي.

بحسب دراسة نُشرت في Journal of Neuroscience، يؤثر اضطراب النوم على تطوّر القشرة الجبهية لدى الأجنّة، وهي المنطقة المسؤولة عن التركيز، واتخاذ القرار، والذاكرة لاحقًا. لذلك، لا يُمكن اعتبار السهر خيارًا عاديًا، بل هو عامل خطر يُهدّد سلامة دماغ الطفل منذ الأشهر الأولى.
2- هل السهر الطويل أثناء الحمل يؤثر على نمو دماغ الجنين؟ الأدلة تُجيب
في دراسة أجراها فريق من الباحثين في جامعة كاليفورنيا، تمّ تتبّع حالات 150 سيدة حامل يعانين من أرق مزمن. وُجِدَ أنّ الأطفال الذين وُلدوا لأمهاتٍ تسهرن يوميًا لأكثر من 5 ساعات بعد منتصف الليل، أظهروا علامات تأخر خفيف في الاستجابات العصبية خلال الأشهر الستة الأولى.

كما بيّنت دراسة نُشرت في Nature Reviews Neuroscience أن حرمان الجنين من تنظيم النوم داخل الرحم يؤثّر على تشكّل نقاط التشابك العصبي (Synapses)، وهي البنية الأساسية لنمو المهارات المعرفية لاحقًا. هذا يعني أن الطفل المولود قد يواجه صعوبات في التركيز، أو في اكتساب اللغة، أو حتى في تنظيم الانفعالات.
باختصار، هل السهر الطويل أثناء الحمل يؤثر على نمو دماغ الجنين؟ الجواب الواضح هو أنه يؤثر سلبيًا. خاصّةً إذا كان مزمنًا، ولا يرافقه تعويض كافٍ في النهار أو عناية غذائية متوازنة.
3- خطوات لتفادي تأثير السهر على دماغ الجنين
أولًا، من المهم جدًّا تنظيم روتين نوم واضح، حتى إن لم تنامي فورًا. حاولي الالتزام بساعة نوم ثابتة. ثانيًا، ابتعدي عن استخدام الهاتف أو الشاشات قبل النوم بساعة على الأقلّ، لأن الضوء الأزرق يثبّط إفراز الميلاتونين.

ثالثًا، جرّبي تمارين الاسترخاء مثل التنفّس العميق أو اليوغا المخصصة للحامل. هذه التمارين تساهم في تهدئة الجهاز العصبي. رابعًا، راقبي نوعية غذائك، لأن الكافيين أو الأطعمة الغنية بالسكّر في المساء قد تزيد الأرق.
وأخيرًا، من الضروري أن تستشيري طبيبتكِ المختصّة إذا لاحظتِ أن السهر بات خارج سيطرتكِ، خاصّةً إن استمرّ لعدّة ليالٍ متتالية من دون سبب واضح. فقد يكون السبب الكامن وراء ذلك اضطرابًا هرمونيًا مثل اضطرابات الغدة الدرقية، أو حال نفسية غير مشخّصة كالاكتئاب أو القلق. وهي أمور شائعة خلال الحمل ولكنها غالبًا ما تُهمَل. تساعد المتابعة الطبية الدقيقة في تشخيص المشكلة باكرًا، وتقديم العلاج المناسب سواء عبر دعم نفسي، أو تعديل نمط الحياة، أو وصف مكملات غذائية أو أدوية آمنة للحامل عند الحاجة. إذًا، التصرّف في الوقت المناسب لا يحميكِ فقط من الإرهاق المزمن. بل يحمي أيضًا دماغ جنينكِ من التعرض لمخاطر تأخر النمو أو الخلل في تكوين شبكاته العصبية الدقيقة. والتي تتكوّن بسرعة عالية خلال الأسابيع الأولى من الحمل.
الخلاصة
هل السهر الطويل أثناء الحمل يؤثر على نمو دماغ الجنين؟ نعم، وبكلّ وضوح، هو أحد العوامل التي تؤدي إلى اضطرابات في تطوّر الدماغ إن استمرّ لفترات طويلة. أكّدت الدراسات العلمية هذا، والنتائج كانت واضحة في تأخّر المهارات العصبية والسلوكية عند الأطفال.
مع ذلك، يمكن تجنّب هذه التأثيرات ببعض التعديلات في نمط الحياة اليومية. إنّ الحصول على النوم المنتظم، والراحة، والعناية النفسية ليست رفاهية خلال الحمل، بل هي ضرورة بيولوجية لنمو دماغ صحيّ لطفلكِ المستقبلي. ومن الجدير بالذكر أنّنا سبق وكشفنا لكِ عن فيتامين أثناء الحمل قد يضر الجنين عند انخفاض مستوياته.
وبرأيي الشخصي كمحرّرة، أرى أن مسألة السهر أثناء الحمل لا يجب أن تُترك للتقدير الشخصي أو التجربة الفردية. بل يجب أن تُدرج ضمن أولويات التوعية الصحية التي تتلقاها المرأة منذ بداية الحمل. كثيرات يتعاملن مع الأرق أو السهر كأمر طبيعي أو غير مؤذٍ، من دون معرفة أن كل ساعة يُهدر فيها النوم تؤثر على نمو جهاز عصبيّ يتشكّل داخل أرحامهن لحظة بلحظة. فالسهر ليس مجرد تعب عابر، بل قد يكون عاملًا خفيًّا وراء مشاكل مستقبلية في التركيز، أو الذاكرة، أو حتى التطوّر اللغوي والانفعالي للطفل. الوقاية من هذه المضاعفات تبدأ بالاعتراف بأهمية النوم، والتصرّف انطلاقًا من هذه القناعة. أنصح كلّ حامل بأن تجعل النوم الجيد أولوية، وأن تتعامل معه كجزء من روتين العناية اليومية بطفلها المنتظَر، لأنه استثمار في سلامته الذهنية والمعرفية منذ اللحظة الأولى لوجوده في الحياة.